الخطيب البغدادي

54

تاريخ بغداد

أقوى وأصدق من الخبر الصادق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ! ! فأخذت الكتاب ونهضت ، فما مشيت إلا خطى حتى هتف بي فأمرني بالرجوع فرجعت وقال لي : الله قد ألبسك كمالا أكره أن يحطك الناس فيه ، وكتابي الذي في يدك مختوم ، وسيقول من يحسدك على ما جرى على يديك من هذا الأمر الجليل إنك إنما وفيت للمسمى في هذا الكتاب لأن الكتاب كان مختوما ، وقد رأى أمير المؤمنين أن يدفع إليك خاتمه ليقطع بذلك ألسنة الحسدة عنك ، فخذ الخاتم فوالله لتفين للمسمى في هذا الكتاب ، وليلين الخلافة ، ما كذبت ولا كذبت ، وانصرف وتأهبت للركوب ، فركبت وركب معي الناس ، حتى صليت بأهل العسكر ، ونحرت وانصرفت إليه . فسألته عن خبره فقال : خبر ما به الموت لا محالة ، فقلت يا أمير المؤمنين هل وجدت شيئا ؟ فأنكر على قولي ، وكشر في وجهي وقال : يا سبحان الله أقول لك إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إنه يموت ، فتسألني عما أجد ! لا تعد لمثل هذا الذي كان منك ، ثم دخلت إليه عشية يوم العيد ، وكان من أحسن من عاينته عيناي وجها ، فرأيته في تلك العشية وقد حدثت في وجهه وردية لم أكن أعهدها ، فزادت وجهه كمالا ، ثم بصرت بإحدى وجنتيه في الحمرة حبة مثل حبة الخردل بيضاء ، فارتبت بها ، ثم صوبت بطرفي إلى الوجنة الأخرى فوجدت فيها حبة أخرى ، ثم أعدت نظري إلى الوجنة التي عاينتها بديا فرأيت الحبة قد صارت اثنتين ، ثم لم أزل أرى الحب يزداد حتى رأيت في كل جانب من وجنتيه مقدار الدينار حبا أبيض صغارا ، فانصرفت وهو على هذه الحال ، وغلست غداة اليوم الثاني من أيام التشريق ، فوجدته قد هجر وذهبت عنه معرفتي ومعرفة غيري ، فرحت إليه بالعشي فوجدته قد صار مثل الزق المنفوخ ، وتوفي في اليوم الثالث من أيام التشريق ، فسجيته كما أمرني وخرجت إلى الناس وقرأت عليهم الكتاب وكان فيه : من عبد الله أمير المؤمنين إلى الرسول والأولياء وجماعة المسلمين ، سلام عليكم أما بعد ، فقد قلد أمير المؤمنين الخلافة عليكم بعد وفاته أخاه ، فاسمعوا له وأطيعوا ، وقد قلد الخلافة من بعد ، عبد الله بن موسى - إن كان - . قال إسحاق بن عيسى : قال لي أبي : ما نزلت عن المنبر حتى وقع الاختلاف بين الناس فيما كتب به أمير المؤمنين في عيسى بن موسى - إن كان - فقال ، فقال قوم أراد بقوله ، لها موضعا ، وقال آخرون أراد بقوله إن كان هذا لا يكون ، ثم أخذت البيعة على الناس وجهزته ، وصليت عليه ودفنته في اليوم الثالث عشر من ذي الحجة سنة ست وثلاثين ومائة